هاوار عفرين ابو الوليد


هاوار عفرين ابو الوليد

مرحبا و أغــلى ســهلا يا (زائر) .. عدد مساهماتك و مـشــاركـاتـك3


دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

شاطر
avatar
احبك يا عفرين
 غــرامــي  كبـــير الــمــشـــرفــين
 غــرامــي  كبـــير الــمــشـــرفــين

عــدد الـــمــســاهـمات عــدد الـــمــســاهـمات : 191

default دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

مُساهمة من طرف احبك يا عفرين في الخميس 17 نوفمبر - 12:51

دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة
 د. قاسم بشرى حميدان()

مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد،،،
لا شك أنَّ فضل العلم على الإنسان فرداً أو جماعة يتسع ليستوعب كل مناحي الحياة حتى يكاد لا يترك مجالاً آخر لغيره، وقد نبّه القرآن الكريم على هذه المرتبة العالية للعلم فقال جلَّ من قائل: ( ).
ويأتي هذا البحث محاولة للفت الانتباه لهذه القيمة الحياتية المؤثرة في حياة الأمم والشعوب بالسلب أو الإيجاب حسب الاقتراب أو الابتعاد من هذا المصدر المهم، الذي نورد تفاصيله فيما يأتي:
المطلب الأول
مفهوم العلم وفضله
أولاً: مفهوم العلم:
لقد حاول العلماء منذ العصور السابقة إعطاء تعريف جامع مانع للعلم إلاَّ أنَّهم لم يهتدوا إلى الصيغة المثلى في ذلك.
ولما كان العلم باب الدنيا ومفتاح الآخرة كان لزاماً علينا أن نعرف هذه الماهية وأن نقف على هذه الحقيقة.
إنَّ كلمة (علم) كلمة واسعة التداول مشهورة بين الناس، محبوبة لديهم.ارتبطت في أذهان الأجيال بإنجازات مختلفة وإن تقاربت، وسارع كثير من المفكرين والكتاب إلى تحلية أفكارهم وكتاباتهم بأنها علمية.
وأكثر هذه المعاني شهرة وأقربها إلى قلوب الأجيال الأخيرة هو ما ارتبط بالتقدم في مجال اكتشاف الطبيعة: مكوناتها وظواهرها وقوانينها وما لها من خصائص أخرى، وما ارتبط بمناهج معينة في البحث والتنقيب عن الحقائق والمعرفة: الموضوعية، والتجريبية والالتزام بمنهج صارم( ).
ولكن العلم في حقيقته هو عبارة عن: صفة مثالية تقال على كل خبر أو تقرير أو مقولة أو وصف ينطبق على واقع الأحداث والأشياء وتصورها تصويراً حقاً قاطعاً يقيناً لا شك فيه ولا ريب، وكل صفة بهذا النعت يقال لها علماً باشتراك في الاسم. مهما كان مصدرها، إلهياً سماوياً، أو بشرياً، ولكن القرآن الكريم بعد ذلك يميز بين علم الله ـ وهو الأصل ـ وبين علوم الملائكة والأنبياء وسائر البشر، وهو فرع مشتق من علم الله تعالى( ).
ولكن علوم البشر ليست كلها علماً بهذه الصفة من القطع واليقين، بل هي مزيج مختلط منها ما هو معارف بشرية ذات أصل بشري خالص مأخوذ من التجارب ومن الملاحظات ومن التجريب الإنساني، ومن مصادر بشرية أخرى كالفراسة والتأريخ وغيرها وهذه المعارف الأخرى ليست هي علماً يقينياً بالضرورة ( ).
ولا شك أنَّ القرآن الكريم هو أصل العلوم لقوله تعالى ( ).
ولما كان الكتاب المسطور والكتاب المنظور هما من عند إله واحد قد أحكم الصنعة وأتقن كل شيء لزم من ذلك تطابق كل من الكتاب المنظور والكتاب المسطور، ولكن لما بدلت أوروبا كتاب ربها وكلماته ولم تلتزم ذلك المنهج السماوي حدث الخلل بين رجالات العلم ورجالات الكنيسة، وكان التقدم العلمي الذي شهدته أوروبا في القرون الأخيرة مشكلة للديانة المسيحية كما هو معروف، حتى أصبحا جانبين متخاصمين، فأصبح نجاح أيهما هزيمة للآخر، رضي أم أبى وافق أم خالف، وأصبحت وسائل العلم قائمة على المشاهدة والتجربة ومعطيات الحواس هي وسائل التثبت المعترف بها لدى أهل العصر وانحسرت الوسائل الأخرى كالسلطة الدينية أو المزدوجة بين سلطة دينية ووسائل أخرى، عقليه أو حسية، وكانت للمحسوسة في مجال الصناعة والاختراع دفعتها القوية في قبول مقولات العلم وقضاياه ووسائل بحثه.
وأدَّى ذلك بالناس إلى السعي للانتساب إلى العلم والعلمية في دعاويهم ومناهجهم وعانت القضايا الإيمانية التي لا تعتمد ـ كما يعتقد أهلها ـ على المشاهدة والتجربة واستغلال الحواس. وكانت هذه القرون هي قرون التمدد الأوربي وزمان طغيانه وعدوانه، فحمل جنوده انتصار العلم على الكنيسة في بلادهم ليؤكدوا به انتصارهم على المستضعفين أينما كانوا وحيثما كانت معتقداتهم، فأصبح الخلاف الذي كان بين العلم والكنيسة عن الحياة العقلية والفكرية وعن مجالات الحكم والسلطان والاختراع والاستبصار في ملكوت السماوات والأرض هو ابتعاد للدين. لا يهم أنِّ أهل الإسلام لا يقبلون دعاوى الكنيسة أم لا، ولا يهم إنْ كان رسول الإسلام قد جاء يدعو أهل الكتاب ـ فيمن يدعو ـ للتخلي عن التشوهات والكفر والإشراك واستعباد الناس باسم الله، لا يهم كل ذلك ولا أكثر منه فهو في النهاية دين وقد انتصر العلم على الدين( ).
ثانياً: فضل العلم:
وقد دلَّ على فضل العلم: الكتاب، والسُّنَّة، والمعقول.
فأمَّا الكتاب فقوله تعالى: ( ). فبيَّن الله تعالى وجه الحكمة في خلق آدم عندما سئلت الملائكة عنها بقولها:
( ).
فأخبر سبحانه تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال، فبيَّن الله تعالى فضل آدم  بما لم يكن ذلك معلوماً لهم، وذلك بأنْ علَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة، ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم.
وهذه الآية قد دلت على فضل العلم، بأنه سبحانه تعالى ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم  إلاَّ بأنْ أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم لكان الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم ( ).
وقد ثبت تعظيم العلم على كل شيء وأنه سبحانه وتعالى سمَّى العلم بالحكمة ثم أنه عظم أمر الحكمة، وذلك يدل على عظم شأن العلم، فقال جل من قائل في شأن يحيى : ( )، يعني الفهم والعلم( ).
وفي شأن لقمان: أي الفهم والعلم.
وما افتخر سليمان  بشيء مثل العلم فقال جلَّ من قائل على لسانه: ( )، مع أنَّه أُعطي ملكاً عظيماً لقوله تعالى على لسانه:
( ).
وما أمر سبحانه وتعالى نبيه محمد بالازدياد من شيء إلاَّ من العلم دون غيره لقوله تعالى: ( ).
فدلَّ هذا على نفاسة العلم وعلو مرتبته وتقديمه على كل النعم لقوله تعالى: ( ).
فأول نعمة وأعظم نعمة هي نعمة العلم، وقد أتمها سبحانه وتعالى على نبيه محمد بأنه قال: ( ). فسمَّى الله سبحانه تعالى العلم عظيماً، وسمَّى الحكمة ـ وهي العلم ـ خيراً كثيراً.
ولنفاسة العلم ما أعطى الله سبحانه وتعالى منه إلا القليل فقال عزَّ من قائل: ( ). وسمَّى الله تعالى الدنيا بأسرها قليلاً: ( ).
فما سمَّاه الله سبحانه وتعالى قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظننا بما سماه الله كثيراً. ثم إنَّ البرهان على قلة الدنيا وكثرة العلم، أنَّ الدنيا متناهية القدر متناهية المدة، والعلم لا نهاية لقدره وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه. ثم إنَّ الله سبحانه وتعالى قرن طاعته بطاعة رسول الله وطاعة أولي الأمر وهم العلماء ( ).
والمراد بأولي الأمر في هذه الآية ـ على أصح الأقوال ـ هم العلماء لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ( ). لا العكس.
وقد ذكر الله سبحانه تعالى العالم في موضعين من كتابة في المرتبة الثانية فقال عز من قائل: ( )، وقال ( ).
ثم إنَّه تعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال جلَّ وعلا: ( )، وقال تعالى مردفاً ( ).
وقد جعل الله تبارك وتعالى الدرجات لأربعة أصناف:
أولها: أهل بدر وقد قال الله فيهم في سورة الأنفال ( ).
وثانيها: للمجاهدين لقوله تعالى ( ).
وثالثها: للصالحين كما في قوله تعالى ( ).
ورابعها: للعلماء، وقد قال الله تعالى فيهم: ( ).
وقد فضَّل الله تعالى أهل بدر على غيرهم من المؤمنين درجات، وفضَّل المجاهدين على القاعدين درجات، وفضَّل الصالحين على هؤلاء درجات، ثم فضَّل العلماء على جميع هذه الأصناف درجات. فوجب أنْ يكون العلماء أفضل الناس.
وقد تظاهرت الأدلة من السُّنَّة أيضاً على بيان أهمية العلم وفضله، ومن أمثلة ذلك:
ـ قوله : (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)( ).
ـ وقوله : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)( ).
ـ وقوله : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)( ).
وغيرها من الأحاديث التي تحث على العلم، وهي في هذا الباب كثيرة نكتفي فيها بما ذكرنا من أدلة الكتاب العزيز.
وأمَّا الأدلة العقلية على تفضيل العلم على غيره من عدة وجوه، أحدها أنَّ الأمور على أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة، وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل، وقسم ترضاه الشهوة والعقل معاً، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة.
أمَّا الأول فهو الأمراض والمكاره في الدنيا، وأما الثاني فهو المعاصي أجمع، وأما الثالث فهو العلم، وأما الرابع فهو الجهل.
فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك يرضيان بالعلم.
ولا شَكَّ أنَّ محمل العلم هو الروح وهي أشرف من البدن، ولا شَكَّ أنَّ الإدراك العقلي أغوص وأشرف من المحسوس( ).
المطلب الثاني
مفهوم المعرفة وضرورتها
بعد النظر والتحقق في حقيقة المعرفة يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ المفهوم الحقيقي للمعرفة لا كما يدعي الغربيون بأنَّه كل معلوم خضع للحس والتجربة ( ).
فمنطق المشاهدة والتجربة وأهمية الأدوات المنطقية والرياضية مقبول لكنه لا يكفي تماماً إذا سلمنا أن المعرفة تدل على إحاطة العلم بالشيء( ).
فإذاً لا بُـدَّ من إضافة عنصر آخر غير المشاهدة والتجربـة، وهـو "الوحي"( ).
فالمعرفة تدلُّ على ممارسة الإنسان لهذا النشاط كشفاً وتجميعاً وتوصيلاً ونشراً من زاوية التصور لهذا الكون والحياة والإنسان، فهي إذاً إضافة أو تسليط العقل البشري على الظواهر المادية والحيوية والروحية والإنسانية في مدى الكون والعالم والحياة.
فإذا كان الله تعالى هو الذي خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه ومنحه قدراته العقلية والحسية والجسدية، وهو الذي خلق الكون والحياة وبث فيهما الظواهر والموجودات والحيوانات والأشياء ومنحهما السنن والقواميس التي تنظم أمورهما وأودعهما القوى والطاقات وهو الذي سخر هذا كله للإنسان، وهو الذي طالبه في كتبه المنزلة أن يتحرك لمتابعة الظواهر والكشف عن السنن والإفادة من الطاقات لإعمار حياته في هذا العالم وجعلها تليق بمستواه كإنسان حملته الإرادة الإلهية في البر والبحر وفضلته على سائر الخلائق ومنحته السيادة على العالمين. إذا تذكرنا أن الله جل في علاه، مبدع الكون الكبير والمهيمن على أسراره ونواميسه وطاقاته الهائلة، إذا تذكرنا هذا كله وتذكرنا معه لحظة انطلاق آدم  إلى العالم وقد علم الأسماء كلها لكي يمارس مهمته فيه؛ عرفنا أن تعامل الإنسان مع الوجود من حوله كشفاً وتنقيباً وتعلماً وتعليماً ونشراً وتوصيلاً، أي نشاطه المعرفي عموماً؛ لابد أن يتشكل إطاره الإيماني الصحيح لكي ينسجم مع الناموس.
إنَّ قطبيْ التعامل: الإنسان والكون، هما من صنع الله الذي أتقن كل شيء فمن الطبعي أنْ تتشكل مفردات هذا التعامل من منظور الإيمان بالله خالق الكون والإنسان والحياة.
إنَّ هذه المعرفة بهذا المعنى لا تنسحب فقط على ما يسمى بالعلوم الصرفية والتطبيقية في التعامل مع الوجود، وإنما تمتد بالضرورة إلى ما يعرف بدائرة العلوم الإنسانية، بل إنها في هذه أشد ضرورة لأنها المعنية بترتيب وضع الإنسان في العالم وتنظيم حياته بما يجعله قديراً على تحقيق مهمته في العالم، ومن ثم تغدو هذه العلوم التي تعالج الإنسان فرداً كعلم النفس مثلاً وتلك التي تعالج في جماعة كعلم الاجتماع والتاريخ، أو تلك التي تستهدف دراسة وتنظيم مؤسساته العامة كعلم الإدارة، أو ضبط نشاطه المعاشي كعلم الاقتصاد أو تنسيق علاقاته العامة كالعلوم السياسية، أو حماية حقوقه وتنظيم واجباته كالقوانين أو التشريعات، أو متابعة رؤيته الجمالية ونشاطه التعبيري كالأدب والفنون( ).
تغدو هذه العلوم جميعاً في حاجة إلى أنْ تتشكل هي الأخرى في دائرة الأسلمة، وأن تستمد مناهجها وطرائق عملها، بل أن تبنى مفرداتها من نسيج المعطيات الدينية التي حددها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ونماها النشاط الفقهي بمرور الزمن عن طريق استجابته للتحديات ومتابعة التغيرات الزمانية والمكانية وذلك من أجل أن تصبح الحياة البشرية بمختلف مناشطها وصيغها إسلامية التوجه إسلامية الممارسة، وبذلك يتم تجاوز كل ما من شأنه أن يقود إلى الثنائية أو إلى الازدواج بين التوجيه الإلهي ذي العلم المطلق وبين اجتهادات الإنسان النسبية( ).
ويقف وراء كل معرفة ميل طبيعي في الإنسان إلى استطلاع وفهم ما حوله وفهم نفسه وفهم طبيعته البشرية وهذا ما يشير إليه بعض المحدثين بحاجة الإنسان الطبيعية إلى تنظيم حياته في إطار ذي معنى، وهي حاجة تتمثل في سعي الفرد للحصول على صورة واضحة منظمة ومفهومة عن نفسه وعن العالم من حوله تصبح الإطار المرجعي لسلوكه وفي هذا يوجه نشاط الفرد العقلي وعملياته الإدراكية إلى المحافظة على اتساقه واستقرار هذا الإطار المرجعي( ).
وإذا كان ذلك كذلك فقد لفت القرآن الكريم الانتباه إلى هذه المعرفة التي تدلُّ على وحدة الصنعة والصانع بقوله عزَّ وجلَّ ( ).
ويفهم من هذه الآية أنَّه لا يمكن أنْ تبدأ أخر الرسالات السماوية لبنى آدم على هذه الأرض بهذا الأمر الإلهي إلا إذا اتسعت دائرة دلالته وامتدت لتشمل كل ما يأتيه الإنسان في الجانب الإيجابي وما يجب أن يدعه في الجانب السلبي.
وإطلاق هذا المعنى الشمولي كلمة وعلاقتها بالنص القرآني على هذا النَّحو وهو ما يجب الأخذ به وخاصة إذا سلمنا أنَّ الإعجاز القرآني يمنح الألفاظ العربية عمقاً وامتداداً في المدلول والمعنى، ويكسب المفردات اللُّغوية مرونة وصلاحية للتعبير عن مختلف المعاني الطارئة في حياة الناس. فالمعنى القرآني لا نهائي والفهم البشرى محدود ولكنه مستمر بتتابع الأجيال( )
بالإضافة إلى هذا فإنَّ الصياغة الإسلامية لنظرية المعرفة لا تقتصر خصائصها على ضمان مواصلة التقدُّم القائم على المنهج العلمي السليم لكنها تمنح الإنسان من الأسباب والمقومات ما يساعده على تنميه طاقته الإبداعية في الكشف والابتكار وفى مقدمه هذه الأسباب والمقومات التي يقضي بها المنهج الإسلامي في الكشف والتفكير هو الإيمان الخالص الذي يجعل العقل أقدر على كشف الحقيقة العلمية وأكثر تهيؤاً لاستقبالها ويفتح أمامه آفاقاً جديدة لم تكن في الحسبان، فيميط اللثام ـ بإذن الله تعالى ـ عن الأساليب الخفية والأسرار الكامنة من العلم الإلهي الشامل وراء مظاهر الكون والحياة وذلك مصداقاً لقوله تعالى ( ) وقوله عزَّ من قائل ( ).
وهل الكشف العلمي إلاَّ حل لمشكلة يظفر بها الباحث بعد عناء تحليل منهجي شاق ودقيق أو يناله في فكرة طارئة أو في رؤية تتراءى له أو يخطر له في حلم أو إلهام.
وفى ضوء هذه الحقائق الإيمانية؛ يرى بعض العلماء أنَّ تلقي العلم لا يحصل كله بالاستعداد والجد، وأنَّ هناك جزءً طبيعياً يتلقى بالفتح من الله تعالى.
المطلب الثالث
دور العلم والمعرفة في الإسهام الحضاري
لقد استخدم القرآن الكريم كلمه العلم ومشتقاتها استخداماً كثيراً، وفى أولى الآيات التي نزلت على الرسول يدور الحديث عن القراءة والقلم وتعليم العلم للإنسان كما قال تعالى ( ).
وحين يشير القرآن الكريم إلى خلق آدم  يقول إنَّ الملائكة سجدوا لآدم بعد تعلُّمه الأسماء تصديقاً لقوله تعالى ( ).
وهذا العلم الذي تعلمه آدم عليه السلام عبارة عن صفات الأشياء ونعوتها وخواصها( ).
وهذا صميم العلم بالأشياء ومعرفة علاقات بعضها ببعض للاستفادة من ذلك بتطويعها لتيسير الحياة. ولكننا نجد أنَّ عدداً من علماء الإسلام يركزون على معارف دينية خاصة في حين أنهم لا يولون العلوم الأخرى أهمية ولا يعتبرونها ضرورية إلا إذا احتاج إليها المجتمع وساعدت على سد نواقصه لكن والحق يقال إنَّ الإسلام لو كان يهتم بعلم خاص لكان الرسول  صرح به .إضافة إلى ذلك يمكن بالاستفادة من القرآن والسنة إثبات أنَّ العلم الذي يعنيه الإسلام لا يضع حدوداً للعلم لكنه قي الوقت ذاته يدعو المسلمين إلى البحث عن العلوم المفيدة والنافعة وينقل عن الرسول  قوله: (اللهم أني أعوذ بك من علم لا ينفع)( ).
فالعلم الذي يساعد الإنسان للقيام بالدور الذي حدَّده له سبحانه وتعالى يُعَدُّ علماً نافعاً وإلاَّ فإنَّه يكون مضراً. ويتضح من خلال القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة أنَّ تعلُّم هذه العلوم يشكل ضرورة للأُمَّة، وذلك من ناحيتين:
[1] دور هذه العلوم في معرفة الله سبحانه وتعالى.
[2] دور هذه العلوم في الإسهام الحضاري.
فالقرآن الكريم كما أنَّه كتاب شريعة؛ فإنَّه أيضاً كتاب لجميع العلوم، ولما كان الإسلام ديناً عالمياً وفق ما ينص عليه القرآن الكريم بقوله عزَّ وجلَّ ( )، وقوله تعالى
( ). وبما أنَّ هدف الإسلام هو إقامة مجتمع يقوم على أساس التوحيد؛ فإنَّ مثل هذا المجتمع إذا ما أراد أنْ يحقق مفهوم آية ( )، بأنَّ على المسلمين ألا يخضعوا لسلطة حضارة ما، وأنْ يكونوا مستقلين ومكتفين ذاتياً من جميع النواحي، كما أنَّ تحقيق كل أمر من شأنه أنْ يقوي ويعزز المجتمع، فإنَّ توفيره يُعَدُّ واجباً كفائياً.
وبما أنَّ كافة الأمور تقوم اليوم على أساس العلم والمعرفة، وأصبح هذان العاملان سبباً لتفوق بعض الشعوب على بعض؛ فيلزم على المسلمين أنْ يتعلموا جميع العلوم والفنون التي تساعد على ضمان تفوقهم، وعليهم إعداد أفضل الاختصاصيين، كما يلزم تهيئة أفضل الإمكانات الفنية لكي لا تكون هذه المجتمعات محتاجة للآخرين، فمثلاً أنَّ الطبابة واجب كفائي، لكن المسلمين في عصرنا هذا قد فاقهم كثير من الشعوب غير المسلمة في هذه المهنة، وهم يبحثون بكل عمق في العلوم النظرية والجدلية، وتمتلئ المدن بالفقهاء الذين يشتغلون بالفتوى والإجابة على أحكام الوقائع، ولا ندري كيف يجيز الدين الانشغال بواجب كفائي انشغلت به مجموعة من الأفراد، وإهمال واجب كفائي آخر متروك. ولهذا نجد أنَّ نسبة المتعلمين في الدول الصناعية 95% من مجموع السكان، فيما تبلغ نسبة المتعلمين في العالم الثالث 55% من مجموع السكان، ولكن هذه النسبة تصل إلى 34% من مجموع سكان العالم الإسلامي.
وهناك اختلاف في هذه النسب، ففي أمريكا والاتحاد السوفيتي واليابان تصل نسبة المتعلمين إلى 99%، أمَّا في الباكستان؛ فإنَّ هذه النسبة تقل عن
الـ 50% كثيراً( ).
ولعل السبب في ذلك ـ كما يبدو لي ـ أنَّ هؤلاء قد عرفوا منهجاً يتعاملون به مع الطبيعة وغفل المسلمون عن هذا المنهج، مع أنَّ القرآن الكريم قد نبه إلى هذا المنهج ليستفيد منه الناس في حياتهم ومعاشهم بما يؤهلهم للقيام بأعباء الخلافة في الأرض. ويجدر بنا أنْ نبيِّن هذا المنهج من ناحيتين:
[أ] منهج معرفة الطبيعة:
توجد في القرآن الكريم أكثر من (750) آية تشير إلى الظواهر الطبيعية، حيث إنَّ القرآن الكريم في أغلب هذه الآيات يوصي بمطالعة كتاب الطبيعة والتدبر فيه، ومن الطبعي أنَّ القرآن كما أكَّد ذلك كثير من العلماء لم يأتِ كتاباً يستعرض العلوم الطبيعية وإنما هو كتاب هداية، فإذا وجدنا أنَّ القرآن الكريم يتحدث عن الظواهر الطبيعية فإنَّ ذلك لكي يدفع الناس من خلال البحث والتعمُّق والتدبُّر في الموجودات الطبيعية للوصول إلى عظمة الخالق المدبر للعالم، وبالتالي التقرُّب إليه، والموجودات الطبيعية من وجهة نظر القرآن الكريم، آيات للحق تبارك وتعالى، والباحث الطبعي يجب أنْ ينظر إليها باعتباره باحثاً في الآيات الإلهية يعمل على أنْ يوصلنا من خلال هذه الآيات إلى خالق الآيات( ).
ومن أمثلة هذه الآيات قوله تعالى ( )، ( )، ( )، ( )، ( )، ( ).
وغيرها من الآيات كثير، كلها تلفت النظر إلى الطبيعة والتدبُّر والتفكُّر فيها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد أودع في النفس الإنسانية القدرة التي تستطيع بها من خلال السعي والاستعداد من الفيض الإلهي أنْ تصل بالتدريج إلى الكثير من الآيات الأفقية والنفسية الحقة لقوله تعالى ( ).
وهذه الآية تتكفل مسألة الهداية الإنسانية في جميع المجالات الحيويّة، ولذا فمن الطبيعي أنْ يكتسب الإنسان المبادئ الهادية في مجال التحقيق في العلوم الطبيعية، ولذا فإنَّ الهدف من البحث في العلوم الطبيعية يجب أنْ يتلخص في رؤية آثار القدرة الإلهية والاستفادة من الإمكانات المتوافرة لصالح الإنسان وإيصاله إلى السعادة الأبدية.
إنَّ البحث في الطبيعة لمجرد إشباع حب الاستطلاع في الإنسان ليس أمراً مقبولاً من وجهة نظر القرآن، لأنَّ عملية معرفة الطبيعة يجب ألا تقف عند حد الوسائط فقط، بل يجب أنْ تذكِّر بالله تعالى دائماً.
إنَّ الاعتقاد الراسخ بالتوحيد يبعث الباحث على ألا ينظر للطبيعة وكأنها مركبة من أجزاء منفصلة بل يراها في ترابط تام ناشيء من صانع واحد، وقد أظهرت تجارب القرون السالفة أنَّ العلماء كانوا يسعون دائماً للكشف عن أطروحة تعبر عن مجموع الطبيعة، فكان لليونانيين تفسيراتهم عن العالم كله، وفي العالم الإسلامي كانت هناك مدارس تسعى لتعطي نماذج تعبر عن ترابط أجزاء الطبيعة، وفي السنين الأخيرة انصبت جهود العلماء والمتخصصين في الفيزياء النظرية على إرجاع الطبيعة إلى أصل واحد، والاختلاف الموجود بين الماديين وغيرهم هو وقوف الماديين عند الظواهر، في حين رأى غيرهم أنَّ وحدة التدبير تعبر عن وحدة المدبر.
وقد عبَّر القرآن الكريم عن الموقف الأول في الآية الشريفة ( )، في حين عبَّرت الآية التالية عن الموقف الثاني بقوله عزَّ وجلَّ ( )، وقد أكَّد القرآن الكريم بشدة على النظام في الظواهر والنظم الطبيعية والتناسق التام بين الأجزاء المختلفة للطبيعة بقوله ( )، وبقوله ( ).
إنَّ الإيمان بوجود النظام في الطبيعة يشكل عاملاً قوياً في تشجيع الباحثين على كشف الطبيعة، وبدونه فإنَّ أي نوع من السعي للكشف عن العلاقات والقوانين في الطبيعة يعد عبثاً، لأنه لا يملك قيمة عامة عالمية، فهو في الحد الأقصى يملك حينئذ قيمة مؤقتة لا غير ( ).
[ب] ضرورة المنهجية العلمية في مجال البحث والفكر:
انطلاقاً من قوله تعالى ( )، ومن قوله تعالى ( ).
وفي هاتين الآيتين إشارة واضحة إلى ضرورة اتباع المنهجية العلمية في مجاليْ النظر وإجالة الفكر. وإذا كان ذلك كذلك؛ فلا بُدَّ إذاً من ضرورة قيام منهجية علمية محكمة في مجالات العلوم الطبيعية والفكرية، لأنَّ تلك إنَّما هي من صنعة الله الواحد الأحد ـ كما سلف ـ مدللة عليه وعلى وحدانيته، والمنهجية العلمية هي الآلية التي يستضاء بها في كشف المجهول للوصول إلى المطلوب.
وفي عصرنا الراهن تُعَدُّ الجامعات هي المراكز الأساسية لهذا النشاط العلمي المهم، بما لها من وظيفة رئيسة في تشجيع البحث العلمي وتنشيطه وإثارة حوافزه وفق قانون يحكم أي محاولة للدراسة أو التعليم على أسس سليمة.
فالبحث العلمي لا ينطوي فقط على جانبه الشكلي المتمثل في ضرورة اتباع قواعد معينة، وإنَّما هو يعني بالدرجة الأولى التجرد من الأهواء واتباع الموضوعية في الحكم وتقييم النتائج ونبذ الإنشائية والعاطفية في التفكير والتعبير على السواء.
ويرتبط المنهج العلمي في تاريخه الطويل بمحاولة الإنسان الدائبة للمعرفة وفهم الكون الذي يعيش فيه، وقد ظلت الرغبة في المعرفة ملازمة للإنسان منذ المراحل الأولى لتطور الحضارة. وعندما حمل المسلمون شعلة الحضارة للإنسان ووضعوها في مسارها الصحيح كان هذا إيذاناً ببدء العصر العلمي القائم على المنهج السليم.
وأضاف العلماء المسلمون إلى الفكر الإنساني منهج البحث العلمي القائم على الملاحظة والتجريب بجانب التأمُّل العقلي، كما اهتموا بالتحديد الكمي واستعانوا بالأدوات العلمية في القياس.
وفي العصور الوسطى بينما كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل كان الفكر الإسلامي يفجر ـ في نقلة تاريخية كبرى ـ ينابيع المعرفة، ثم نقل الغرب التراث الإسلامي وأضاف إليه إضافات جديدة، حتى اكتملت الصورة وظهرت معالم الأسلوب العلمي السليم في إطار عام يشمل مناهج البحث المختلفة وطرائقه في مختلف العلوم( ).
وإذا كانت هذه الأُمَّة تستند إلى مصادر معرفية تتسم بالثبات والشمول والإطلاق والتجديد والاستيعاب وإحتواء التنوُّع، فإنَّ النسق الفكري لهذه الأُمَّة ينبغي أنْ يكون على درجة عالية من الضبط والتجديد، سواء في مجال المفاهيم أو المصطلحات أو الأصول والمنطلقات، ومن هنا فإنَّ دخول مفاهيم من خارج هذه المنظومة الفكرية أو استبدال مضامين ومفاهيم أخرى بمفاهيمها واصطلاحاتها أو إثارة قضايا وأسئلة لا تنطلق من ذاتها ولا تعبِّر عن مشاكلها يثير أزمة كبرى داخل عقل هذه الأُمَّة، فالعقل السليم لم يطرح في تاريخه الطويل مناقضة بين منهجه العلمي وإيمانه بوحدانية الله جلَّ وعلا، وذلك لأنَّ العلم والإيمان في البنية المعرفية الإسلامية لا يمكن أنْ يتعارض، إيماناً بقوله تعالى
( ).
فالمنهج المتبع في هذه الحالة هو البحث المستمر في تقويم التجربة إذا عارضت ما صحَّ من النقل خلافاً للمنهج الأوروبي الكنَسِيّ الذي قدَّم العقل على النقل، وفصل بين العلم والدين، بل وجعلهما نقيضين، وعندما تواصل العقل المسلم مع الفكر الأوروبي في مرحلة ضعف الأول وتراجعه وقوة الآخر وهيمنته، نقل العقل المسلم عن العقل الأوروبي كل منظومته الفكرية وتلبس بخبرته التاريخية فاعتبر القضايا التي عاشها الفكر الأوروبي في تاريخه هي قضاياه وإشكالاته المنهجية هي إشكالاته حتى ظنَّ بعض الناس بل ربط التقدُّم العلمي المادي الأوروبي بفصل العلم عن الدين ورفض الدين إذا تعارض ظاهرياً مع ما توصل إليه العلم وإعطاء العلم سيادة مطلقة، ونسي أنَّ العلم والدين شيء واحد وليس الخلل في أحدهما، بل الخلل في منهجه هو، ألم يسمع بقول الله تعالى ( ).
وقد بيَّنت هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرِّف فيها، وكلٌ تحت تدبيره وقهره، وأنَّ مفاتيح هذه الأشياء بيده سواء أكانت في السموات أو في الأرض( ).
وزعموا أنَّه ينبغي للمسلمين لكي ينهضوا من جديد أنْ يتركوا الدين للأفراد وعلاقتهم بالله ليصبح قضية فردية، وأنْ يسعوا للوصول للعلم كما تفهمه الخبرة الغربية بمعزل عن الدين وقضاياه، وحقيقة إنَّ المنهجية الفكرية تقتضي منظومة مفاهيمه تنظيم العلاقات كلها بين الله تعالى والكون والإنسان تنظيماً ينعكس على سائر شئون الحياة، ولذلك فإنَّ مفهوم الدين في حد ذاته يشمل العديد من محتويات مفهوم العلم وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل، ولذا فالمفهومان متداخلان وغير متقابلين، ومن ثم فالفصل بينهما فصلا لا ينبع من العقل السليم الذي يدرك طبيعة العلم والدين( ).
وليس المهم في هذا المقال وجود العقول المفكرة؛ ولكن المهم كيف توجه هذه العقول لتؤتي أكبر قدر من الفعالية في ظل كيان حضاري له سماته وخصائصه العقدية والفكرية؟ وإذا سلمنا أنَّ كل نشاط إنساني يخضع لمجال الأفكار سواء في دوافعه أو في وسائله العملية، فمن الجدير بالملاحظة أنَّ كل نشاط علمي تكمن في أساسه الفكرة، وإذا عددنا حالات القصور في مجتمع ما أو في حالات فعاليته فإننا نقرر في الحقيقة النتائج الموضوعية لعالم أفكاره في حالته الراهنة وأنه من خلال بعض التصرفات ينشأ الزيغ من جيل إلى جيل، والفكرة التي من هذا القبيل هي دائماً فكرة خذلت نموذجها المثالي وينعكس المرض على المجتمع الذي يصاب بنتائج أي انحراف في الفكر، وبهذا تصبح الأفكار في أوسع معانيها نظاماً للإدراك الجماعي الذي لا بُدَّ من أنْ يعبِّر عن الانتماء لهوية ما لها أسسها ومقوماتها، وكلما اقترب الإنسان من هذا النموذج المثالي الذي تحدده هويته وانتماؤه الحضاري كلما ازداد توغلاً في فعالية نشاطه الفكري في محيط مجتمعه وأمته( ).
والأمر لا يتوقف على الارتباط بين عالمي الأفكار والأشياء، ولكن لا بُدَّ من ارتباط الأفكار التي تسهم في صياغة الحدث الحضاري فيما بينها، وأنَّ كل تلف يطرأ على روابط الأفكار فيما بينها لا بُدَّ من أنْ يتولد عنه اضطراب في الحياة الاجتماعية، ولا سيما عندما يصل انفصام هذه عن نماذجها المثالية في منتهاه، وعندما تفقد قوالب الأفكار شكلها الأصلي في النفوس وتصبح الأفكار الموضوعية والمنصهرة في هذه القوالب بدون شكل وبدون تناسق فعندئذ تموت الأفكار وتظل العقول خاوية، ويعود المجتمع للطفولة من جديد، وتظهر في هذا المجتمع الذي عاد إلى الطفولة ظواهر غريبة لتعويض قصوره في أفكاره، ويكون هذا المجتمع مرغماً الاستعاضة ببدائل ولا سيما في أوجه نشاطه الفكري. وإذا حدث في الوقت ذاته أنْ فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ساحقاً، أما إذا استطاع أنْ ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء أو أنه يستطيع أنْ يعيد بناء (عالم الأشياء)( ).
وقد حدث هذا عندما غابت المنهجية الفكرية، وتحولت المنجزات والكشوف العلمية إلى سلاح يشهر في وجه الإنسان وليس لصالح الإنسان، لأنَّ إنتاج القنابل الذرية والهيدروجينية واستعمالها في اللحظات الصعبة ـ كما حدث في هيروشيما ونجازاكي ـ ليؤثر بشكل واضح على الكارثة التي يمكن أنْ يساق إليها الإنسان والبشرية إذا أتيح للفكر أنْ ينطلق من غير منهجية فيخرج عن مطالب الإيمان العليا، ولا ينضبط بالقيم والموازين الإلهية العادلة التي تجعل القوة والحكمة ـ دوماً ـ في كفتي ميزان. إذاً إنقاذ الأفكار والمنهجية الفكرية ضرورة قصوى لا بُدَّ منها، لأنَّ تقليد الفكر الغربي أو استيراده لا ينشيء حضارة أو يعيد بناءها بعد تفككها ودمارها. إنْ هذا حدث يصنع في أفضل حالات نجاحه عالماً ثالثاً يدور في فلك حضارة الغير، وقد يتقدم في سلم المدنية المادية، ولكنه على المستوى الحضاري لا يملك خرائطه الثابتة المتميزة على سطح الكرة الأرضية.
إنَّ اليابان والصين مثلاً إذا قدرتا على تجاوز المرور في هذه القناة الضيقة، خرجتا من معركة التحدي وهما أكثر قوة وتملكان في عالمنا المعاصر ثقلهما وحضورهما وتميُّزهما الملحوظ( )، وما ذلك إلاَّ لأنَّ الكون يخدم الإنسان مجاناً إذا فهم الإنسان كيف يوجه الأوامر إلى الكون، وتزداد قدرة الإنسان على تسخير الكون كلما زاد فهم الإنسان لكيفية توجيه الأوامر إلى الكون، وتوجيه الأوامر هو: معرفة السنن ـ ودليل هذا أنَّ إنتاج الأرض والحيوان والنبات والحديد ـ كل هذا يزداد إذا فهم الإنسان سننه، أي تزداد طاعة الكون له، وكأنَّ هذا الكون خلقه الله خادماً مطيعاً للإنسان، ولكن شرط الله على الكون ألا يطيع الإنسان إلاَّ إذا دعاه عن طريق معين، فإذا دعاه من غير هذا الطريق فلا يستجيب الكون ويظل معرضاً صامتاً أمام الإنسان.
إنَّ الذي لا يعرف كيف يحرك الكون هو إنسان جاهل للنداء الذي يستجيب الكون على نغمته، وهذا النداء هو كشف السنن واستخدامها، وهو تفاعل مع النداء الإلهي الذي يدعو إلى الاستفادة مما خلق الله تعالى لتسخيره لنا، لقوله عزَّ وجلَّ ( ).
فإنَّ القفل كما يستعصي أنْ يفتح بغير مفتاحه، كذلك الكون لا يستجيب إلاَّ بعد سماعه كلمة السر. وكذا السيارة مهما كانت مستعدة للحركة فإنها لا تتحرك مع من لا يعرف فن قيادتها، بل كل الآلات لا تتحرك للإنسان الذي يجهل كيف يحركها( ).
فالتسخير يزداد بازدياد العلم، وهو يأتي نتيجة للعلم بسنن الله في خلقه، فالعلم والتسخير والسُّنَّة (القانون) كلها أمور مرتبطة بعضها ببعض، فالسُّنَّة قانون الله، والعلم هو معرفة هذه السنن، والتسخير نتيجة هذه المعرفة.
ومن هنا نعرف أهمية العلم، فإذا فهم المسلم معناه جيداً فسيشهد هذا العلم بصدق الإيمان بالله وباليوم الآخر وضرورتهما، كما شهد العلم بصدق قوانين الجاذبية. حيث تمكًّن الإنسان من التعامل معها ورؤية عاقبة هذا التعامل، وكيف أنَّ من يخرج على قوانين الجاذبية ويحاول أنْ يقفز من السطح أو الطائرة دون أنْ يراعي قوانين الجاذبية فإنه يتحطم.
وكلمة السر التي تجعل الكون مستنفراً لخدمة الإنسان يبدأ الحصول عليها باستخدام السمع والبصر والفؤاد، وإنَّ الذين لا يستخدمون أجهزة الوعي التي منحها الله لهم، لا يسخر لهم الكون، بل ينظر إليهم بسخرية. ولو قدر له أنْ يتكلَّم لقال لهم: كيف أتسخر لكم وأنتم لا تزالون مثلي، ولم تستخدموا مزاياكم ـ السمع والبصر والفؤاد ـ التي ميزكم الله بها عن سائر المخلوقات( ).
إنَّ استخدام هذا الجهاز الثلاثي هو الذي جعل الإنسان خلقاً آخر غير بقية المخلوقات يبني ويعمر ويرتقي في سلم الحياة ليصل إلى السعادة الأبدية.
avatar
الفارس الباسل
عــضــو غــرامــي جديد
عــضــو غــرامــي جديد

عــدد الـــمــســاهـمات عــدد الـــمــســاهـمات : 3

default رد: دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

مُساهمة من طرف الفارس الباسل في الجمعة 29 مارس - 9:40

شكرررررررررررررررررررررررررررا
avatar
الفارس الباسل
عــضــو غــرامــي جديد
عــضــو غــرامــي جديد

عــدد الـــمــســاهـمات عــدد الـــمــســاهـمات : 3

default رد: دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

مُساهمة من طرف الفارس الباسل في الجمعة 29 مارس - 9:45

جزاكم الله خيرا
avatar
الفارس الباسل
عــضــو غــرامــي جديد
عــضــو غــرامــي جديد

عــدد الـــمــســاهـمات عــدد الـــمــســاهـمات : 3

default رد: دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

مُساهمة من طرف الفارس الباسل في الجمعة 29 مارس - 9:45

بارك الله فيكم
avatar
Hawar Afrin
االــمــديـــرر االـــعـــاأم  للــمــنـتدى
االــمــديـــرر االـــعـــاأم  للــمــنـتدى

عــدد الـــمــســاهـمات عــدد الـــمــســاهـمات : 3126

default رد: دور العلم والمعرفة فـي بناء الحضـارة

مُساهمة من طرف Hawar Afrin في الأربعاء 3 أبريل - 10:20

الله يخليك يا غالي





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 19 يوليو - 20:39